هل صُمِّمت الأطعمة فائقة المعالجة لتكون إدمانية؟ موجة من الدعاوى القضائية قد تُعيد تشكيل صناعة الغذاء
القضية لا تتعلق فقط بالسكر أو السعرات — بل بعلم السلوك، والتصميم المتعمد، وسؤال أكثر حساسية: هل كانت الشركات تعلم؟
في الولايات المتحدة، رُفعت موجة من الدعاوى القضائية ضد شركات من بينها Kraft Heinz وPepsiCo. لكن هذه القضايا تتجاوز مفهوم "الغذاء غير الصحي". جوهر الادعاء أن هذه الشركات لا تبيع فقط منتجات مرتفعة السكر والدهون والملح — بل تصممها، وفق ما تؤكده الدعاوى، لتعزيز الاستهلاك القهري بشكل مقصود. والجدير بالذكر أن الشركات المعنية نفت هذه الادعاءات، وأن القضايا لا تزال قيد الإجراءات القانونية.
الأمر لا يتعلق بالطعم فقط. بل بهندسة السلوك.
وتركز القضية على مفهوم معروف داخل الصناعة يُعرف بـ "Bliss Point" — التركيبة الدقيقة من السكر والملح والدهون التي تجعل التوقف عن الأكل أصعب. ليس ضعفًا في الإرادة بحسب ما يجادل الباحثون، بل نتيجة تصميم محسوب.
ليست المرة الأولى... لكنها قد تكون الأكثر أثرًا
تحسين المنتجات الغذائية لتعزيز الاستهلاك ليس أمرًا جديدًا. منذ خمسينيات القرن الماضي، استخدمت شركات الأغذية الكبرى علوم النكهة وتقنيات المعالجة لزيادة الجاذبية الحسية. لكن ذلك كان يُقدَّم دائمًا باعتباره "ابتكارًا في تجربة المستهلك"، لا هندسةً سلوكية.
بحلول الثمانينيات والتسعينيات، باتت بعض الدراسات الداخلية لدى شركات غذائية كبرى — وفق ما أُفيد — توثّق ما يُعرف اليوم بـ "التصميم فائق الاستساغة": منتجات معايَرة لتجاوز إشارات الشبع الطبيعية وتعزيز الاستهلاك المتكرر. وقد ظهر بعض من هذه الوثائق بالفعل في دعاوى سابقة.
ما يميز الدعوى الحالية ليس الممارسة في حد ذاتها، بل الإطار القانوني المُطبَّق عليها. للمرة الأولى، يُطرح السؤال بصراحة: هل يُعدّ تصميم منتج بهدف زيادة الاستهلاك مسؤولية قانونية؟ وهل يُرتِّب ضررًا يستوجب التعويض؟
من جودة المنتج... إلى نية التصميم
هذا التحول جوهري. في السابق، كان النقاش يدور حول: هل المنتج صحي؟ ما كمية السكر فيه؟ هل الملصقات واضحة؟ أما هذه الدعوى فتدفع النقاش إلى عمق مختلف:
هل صُمِّم المنتج أصلًا لزيادة الاستهلاك؟ هل يُوظَّف علم السلوك لدفع الإفراط في الاستهلاك؟ وهل الشركات على علم بالآثار طويلة المدى وتستمر رغم ذلك؟
إذا صمد هذا الطرح قانونيًا، فقد تواجه صناعة الغذاء تحولًا مشابهًا لما حدث مع التبغ. ذلك التحول لم يكن مجرد تشديد تنظيمي — بل إعادة تعريف كاملة للمساءلة. حين أثبتت المحاكم أن شركات التبغ كانت تعلم بطبيعة منتجاتها الإدمانية وأخفت تلك المعرفة، تغيّرت الرواية من "الفرد اختار التدخين" إلى "الشركة صمّمت الإدمان".
اليوم، تُختبر المقاربة ذاتها في الغذاء. والتداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من الغرامات والتسويات: إنها تمس السمعة المؤسسية، وثقة المستهلك، وجدوى نماذج أعمال قائمة في جوهرها على استهلاك متكرر مُهنْدَس.
ماذا يعني ذلك لصناعة الغذاء عالميًا؟
تنظيمات أكثر صرامة
قد تشمل قيودًا على نسب السكر والدهون والملح، وتحذيرات صحية أوضح، وقيودًا تسويقية خاصة تجاه الأطفال.
ضغط على نماذج الأعمال
جزء واسع من أرباح الصناعة يعتمد على الإنتاج منخفض التكلفة، والاستهلاك المتكرر، والمنتجات عالية الاستساغة. تغيير هذه المعادلة ليس أمرًا بسيطًا.
إعادة تعريف نجاح المنتج
قد يتحول معيار النجاح من "كم تبيع؟" إلى سؤال أكثر مسؤولية: "كيف يُستهلك المنتج؟ وكم مرة؟"
أين تقف السعودية من هذا النقاش؟
السعودية ليست بعيدة عن هذا الاتجاه، لكن المقاربة مختلفة حتى الآن. خلال السنوات الأخيرة، فُرضت ضريبة على المشروبات السكرية، ودُفعت الشركات لتقليل نسب السكر، وبرز توجه تنظيمي واضح نحو تحسين الصحة العامة. غير أن هذه الجهود تركز على ما يحتويه المنتج — لا على كيفية تصميمه ليُستهلك.
السياسات القائمة — رغم أهميتها — تعمل على مستوى المكوّنات: تقليل السكر، ورفع تكلفة المشروبات المحلاة، وتحسين الملصقات. إنها لا تتناول البنية السلوكية للمنتج نفسه.
فالمنتج الذي يقع ضمن الحدود التنظيمية المقبولة قد يكون في الوقت ذاته مصممًا لإبطاء إشارات الشبع وتعزيز دورات الاستهلاك المتكرر — ولا يوجد حتى الآن في السوق السعودي إطار تنظيمي يعالج هذا البُعد.
إن نجحت هذه الدعوى في ترسيخ "نية التصميم" معيارًا قانونيًا دوليًا، فقد تجد الجهات التنظيمية نفسها أمام سؤال لم تتعوّد عليه: لن يكفي بعد الآن أن نسأل عمّا يحتويه المنتج — السؤال سيكون: ما السلوك الذي صُمِّم لإنتاجه؟
الفجوة: تنظيم المكوّنات أم تنظيم السلوك؟
أمثلة على التصميم السلوكي المتعمد الذي لا يطاله التنظيم الحالي:
التصميم السلوكي المتعمد — أربعة آليات
التركيبات فائقة الاستساغة: مزج السكر والدهون والملح بنِسَب تتجاوز العتبة الطبيعية لتسجيل الشبع — الجسم يتلقى السعرات، لكن الإشارة للتوقف تتأخر.
إبطاء إشارات الشبع: منتجات يُبطئ فيها تفاعل الدهون والسكر والملح استجابة الجهاز الهضمي للشبع، مُبقيةً الشهية مفتوحة لفترة أطول من المعتاد.
أحجام الحصص المصممة للاستمرار: تعليفات لا تستهدف الإشباع، بل تسهيل الإقدام نفسيًا على فتح الوحدة التالية — "الحصة الفردية" كمحفز للاستمرار، لا كحد للاستهلاك.
حلقات إعادة الاستهلاك السريعة: نكهات تتلاشى بسرعة بعد الأكل لتحفيز الرغبة في التكرار خلال دقائق — ليس تنوعًا في الطعم، بل آلية مصممة للعودة.
هل السوق السعودي مستعد؟
ثمة توتر واضح. من جهة: وعي صحي متنامٍ وتطور تنظيمي نسبي. ومن جهة أخرى: اعتماد كبير على الأغذية فائقة المعالجة المستوردة، وأنماط استهلاك تُقدِّم الراحة والسعر على الجودة الغذائية. هذا ليس تحديًا تنظيميًا فحسب — بل سلوكيًا وثقافيًا في جوهره.
إن وصل هذا الاتجاه إلى المنطقة، فقد نشهد ضغوطًا أكبر لإعادة صياغة المنتجات، ونموًا لعلامات "better-for-you"، وفرصًا للشركات المحلية لبناء منتجات لا تعتمد على مبادئ التصميم الإدماني، وتطورًا تنظيميًا يتجاوز الملصقات الغذائية.
هذه ليست قضية معزولة
ما يجري اليوم في صناعة الغذاء يعكس نمطًا تكرّر في قطاعات أخرى. قضت صناعة التبغ عقودًا في تسويق منتج كانت تعلم بإدمانيته وأضراره قبل أن تفرض عليها المحاكم المساءلة. ومنصات التواصل الاجتماعي بنت خوارزميات تعظيم التفاعل على حساب الصحة النفسية للمستخدمين، وتواجه اليوم ضغوطًا تنظيمية متصاعدة على هذا الأساس تحديدًا.
القاسم المشترك ليس الضرر وحده — بل وجود توثيق داخلي للإدراك بهذا الضرر، مع الاستمرار رغمه. حين تُظهر وثائق الشركة الداخلية أنها كانت تعلم، يفقد دفاع "المستهلك اختار بنفسه" كثيرًا من قوته القانونية.
السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه القضايا مجتمعة: أين ينتهي تحسين المنتج ويبدأ الاستغلال؟ حين يتحول التصميم من "جعل المنتج أفضل" إلى "جعل المستهلك أقل قدرة على التوقف" — عند ذلك الحد تتحول الهندسة إلى مسؤولية قانونية وأخلاقية.
ما يُختبر في هذه القضية ليس السكر أو الدهون. بل النية. هل صُمِّم المنتج لخدمة المستهلك؟ أم لاستخراج المزيد منه؟ هذا الفرق — بين التحسين والاستغلال — قد يُعيد تعريف المساءلة لصناعة غذائية بأكملها.
أما بالنسبة للسعودية، فالسؤال لم يعد إن كان هذا الاتجاه سيصل — بل متى. والفرق بين من يُشكِّل المعيار ومن يُضطر للامتثال له يُقاس عادةً بسنوات من التأخر وتكاليف باهظة.

