المراعي — الربع الأول 2026:
بناء الأسس لا مجرد أرقام
إيرادات تقفز 6.8% إلى 6.16 مليار ريال، فيما تُمتص الشركة تكاليف التحول التاريخي — من رائدة الألبان إلى منصة غذائية شاملة في منطقة الخليج.
السياق العام للربع
نتائج المراعي للربع الأول من عام 2026 ليست قصة أداء بالمعنى التقليدي، بل هي قصة تموضع استراتيجي. ارتفعت الإيرادات بنسبة 6.8% على أساس سنوي لتبلغ 6.16 مليار ريال، مدفوعةً بنمو واسع النطاق في الحجوم عبر قطاعات الألبان والعصائر، والمخابز، والبروتين، والأنشطة الأخرى — مع مساهمة استثنائية من موسم رمضان المبارك. في المقابل، حافظ صافي الربح على مستوى شبه ثابت عند 732.2 مليون ريال، في مقابل 731.2 مليون ريال في الربع الأول من عام 2025.
هذا الفارق بين زخم الإيرادات وثبات صافي الربح ليس قصوراً في التنفيذ، بل هو مؤشر متعمد على أن الشركة تمر بمرحلة استثمار منظم — تستوعب فيها تكاليف التوسع في الفئات الجديدة، ودمج الاستحواذات، وبناء البنية التحتية — تمهيداً لشركة أكبر حجماً وأكثر تنوعاً بحلول نهاية العقد الحالي.
وعلى المستوى التسلسلي، جاء الأداء أقوى بكثير: ارتفع صافي الربح بنسبة 57.5% مقارنةً بالربع الرابع من عام 2025، مما يعكس تأثير الطلب الرمضاني وارتفاع الحجوم وتحسين مزيج المنتجات.
أبرز النقاط
- بلغت الإيرادات 6.16 مليار ريال في الربع الأول 2026، بنمو 6.8% سنوياً و12.9% ربع-سنوياً — وأسهمت جميع القطاعات الأربعة في هذا النمو.
- ثبت صافي الربح عند 732.2 مليون ريال تقريباً، يعكس تكاليف التكامل وارتفاع نفقات التمويل واستثمارات البنية التحتية لمرافق البروتين الجديدة.
- سجّل قطاع البروتين — الذي يشمل الآن الدواجن والمأكولات البحرية واللحوم المُصنَّعة — تراجعاً في الأرباح من 136 مليون إلى 107 ملايين ريال جراء تكاليف التوسع.
- حققت مصر نمواً بنسبة 26% سنوياً في الإيرادات، فيما سجّلت قطر نمواً استثنائياً بلغ 62% — مما يؤكد عمق التوسع الإقليمي للمراعي.
- الرئيس التنفيذي فواز الجاسر، الذي تولّى المنصب في يناير 2026، يمتلك خبرة تشغيلية مباشرة في المخابز والمأكولات البحرية والشركات التابعة — وهو الملف الأنسب لقيادة هذه المرحلة التحولية.
- خطة الاستثمار البالغة 18 مليار ريال لخمس سنوات ماضية قُدماً، مع مستهدف إيرادات يبلغ 30 مليار ريال بحلول 2028.
نمو الإيرادات على كل الجبهات
جاء نمو الإيرادات بنسبة 6.8% سنوياً موزعاً بشكل واسع ولم يكن مرتبطاً بقطاع واحد أو منطقة جغرافية بعينها. تقدّم قطاع الألبان والعصائر — الركيزة الأساسية للشركة — على خلفية تحسّن الأداء خلال رمضان وتعزيز مبيعات الألبان الطازجة في المملكة وأسواق التصدير الرئيسية. وتحسّنت ربحية قطاع المخابز بفضل مزيج إيرادات أكثر جودة، فيما أضافت الأنشطة الأخرى حجوماً متزايدة.
جغرافياً، تمتد القصة بعيداً عن حدود المملكة: حققت مصر نمواً في الإيرادات بنسبة 26% سنوياً، يعكس التوسع المتعمق لعلامات المراعي في سوق يتجاوز 100 مليون مستهلك، حيث يظل الطلب على البروتين ومنتجات الألبان دون مستوى التشبع قياساً بمعدلات النمو الاقتصادي. وسجّلت قطر نمواً استثنائياً بلغ 62% سنوياً، وإن أسهمت في ذلك جزئياً عوامل القاعدة المقارنة وديناميكيات قنوات التوزيع.
أحد المتغيرات الجديرة بالمتابعة هو التحوّل في مزيج القنوات — انتقال الإيرادات من التجارة التقليدية نحو التجارة الحديثة عبر أسواق الخليج. يُضغط هذا التحوّل على الإيرادات على المدى القريب، غير أنه يُهيئ المراعي لاسترداد هوامش أفضل مع ارتفاع كفاءة التجزئة الحديثة وتعمّق بيانات المستهلكين.
قطاع البروتين: آلام النمو بمنطق استراتيجي
القصة الأكثر دلالة في نتائج المراعي للربع الأول 2026 تكمن في قطاع البروتين، وما يكشفه تراجع أرباحه عن المسار الاستراتيجي للشركة.
ضمن الهيكل القطاعي المُعاد تصميمه، بات قطاع البروتين يتجاوز نطاق الدواجن التاريخي ليشمل المأكولات البحرية واللحوم ذات القيمة المضافة — توسّع متعمّد نحو فئات ذات معدلات نمو أعلى وقدرة أكبر على التمييز، وارتباط أوثق بأهداف الأمن الغذائي لرؤية 2030. يأتي هذا في أعقاب إعلان المراعي عن إنشاء منشآت إنتاج محلية للمأكولات البحرية ولحم البقر والضأن — استثمارات تولّد تكاليف تشغيلية كبيرة قبل أن تبلغ إيراداتها مرحلة النضج.
انخفضت أرباح قطاع البروتين من 136 مليون ريال في الربع الأول 2025 إلى 107 ملايين ريال في الربع الأول 2026، رغم صمود الإيرادات. يعكس هذا الضغط تضافر عوامل متعددة: ظروف العرض في سوق الدواجن، وتكاليف تشغيل المنشآت الجديدة، وارتفاع تكاليف النقل، وعبء دمج منتجات جديدة قبل تحقيق الحجم التجاري المطلوب.
"يبدو هذا الربع وكأنه ربع بناء أسس لا ربع ذروة أداء — فالمراعي تُقدّم التوسع في الفئات على المدى البعيد على حساب تحسين الهوامش على المدى القريب."
سعودي فود تك — تحليل تحريري، يونيو 2026تضمّنت خطة الاستثمار البالغة 18 مليار ريال لخمس سنوات نحو 7 مليارات ريال لتوسعة طاقة الدواجن وحدها — بهدف رفع الطاقة الإنتاجية من 250 مليون إلى 450 مليون طائر سنوياً بنهاية 2026. هذا الحجم من الاستثمار في البنية التحتية يُفضي حتماً إلى مرحلة من ارتفاع التكاليف قبل تحقيق فوائد الكفاءة والإيرادات. نتائج الربع الأول 2026 هي تجلٍّ حي لهذه الديناميكية.
وفي أبريل 2026، أبرمت المراعي شراكات رسمية مع وزارة الاستثمار السعودية لإنشاء منشأة متخصصة لإنتاج ومعالجة الأسماك والمأكولات البحرية — مما يُرسّخ مكانتها بوصفها أكثر منتجي البروتين المحليين طموحاً في المملكة، وركيزةً أساسية في أجندة الأمن الغذائي الوطنية.
رئيس تنفيذي جديد لمرحلة جديدة
البُعد القيادي في هذه المرحلة التحولية يستحق اهتماماً خاصاً. تولّى فواز بن محمد الجاسر منصب الرئيس التنفيذي في 16 يناير 2026، خلفاً لعبدالله بن ناصر البدر الذي تقدّم باستقالته لأسباب شخصية. والجاسر موظف في المراعي منذ ما يقارب عقدين من الزمن، حمل خلالها مسؤوليات تشغيلية مباشرة في قطاعات المخابز والمأكولات البحرية والموارد البشرية، إضافةً إلى توليّه إدارة شركة تيبة في الأردن ورئاسة الشركة الوطنية للاستزراع المائي (نقوا).
لم يكن هذا التعيين مصادفةً توقيتاً. خبرته الميدانية في عمليات المأكولات البحرية والشركات التابعة عبر الحدود هو تحديداً الملف الذي يحتاجه مجلس إدارة شركة تُقدم على أكثر مراحلها التنويعية تعقيداً في تاريخها. وإشرافه السابق على شركة نقوا — التي تُطور من خلالها المراعي قدراتها في الاستزراع المائي — يمثّل خطاً مباشراً وصريحاً بين السيرة الذاتية للقائد والأولويات الاستراتيجية للشركة.
"ارتفعت الإيرادات بنسبة 7% خلال الربع الحالي بفضل تحسّن الأداء في رمضان ونمو قوي في أحجام المبيعات في معظم الأسواق وفئات المنتجات وقنوات البيع، وعلى رأسها الألبان والدواجن."
استحواذ بيور بيفرجيز وتكاليف الدمج
من بين ضغوط الهوامش المضمّنة في نتائج الربع الأول 2026، يبرز الدمج الجاري لشركة بيور بيفرجيز للصناعة، التي استحوذت عليها المراعي في يونيو 2025 بنحو 277 مليون دولار. وسّع هذا الاستحواذ المحفظة المشروباتية للمراعي وزاد من طاقتها الإنتاجية في المملكة — غير أن الاستحواذات بهذا الحجم تولّد تكاليف دمج قصيرة الأمد: توحيد الأنظمة، ومواءمة الكوادر، ودمج سلاسل الإمداد، وإعادة ضبط المسار التجاري.
ينضاف إلى ذلك ارتفاع المسحوبات من المرابحة لتمويل برنامج النفقات الرأسمالية الأشمل، وارتفاع صافي تكاليف التمويل بنسبة 5.9% سنوياً إلى 106 ملايين ريال — وهي تكاليف هيكلية وعابرة، لا ضغوط هوامش دائمة.
ولافت في هذا السياق أن التدفق النقدي التشغيلي حافظ على قوته، إذ ارتفع بنسبة 16.8% سنوياً ليصل إلى 1.277 مليار ريال. وتحوّل التدفق النقدي الحر إلى 173 مليون ريال موجباً في الربع الأول 2026، بعد أن كان سالباً بقيمة 165 مليون ريال في الفترة ذاتها من العام الماضي — وهذا المؤشر يعكس صحة الأعمال الجوهرية أكثر مما يوحي به العنوان الثابت لصافي الربح.
التوافق مع رؤية 2030: استراتيجي لا شكلي
رهان المراعي الاستثماري لا ينفصل عن أجندة الأمن الغذائي في رؤية المملكة 2030. تعتمد المملكة اليوم على الاستيراد لتأمين نحو 80% من احتياجاتها الغذائية — تبعيّة تنطوي على مخاطر اقتصادية وجيوسياسية في عالم تتكسّر فيه سلاسل الإمداد. توسّع المراعي في إنتاج الدواجن محلياً على نطاق واسع، مع الدخول إلى المأكولات البحرية ولحوم الحمراء، يجعل منها الرافعة الرئيسية لردم هذه الفجوة.
لمستثمري المنطقة وشركات الغذاء الإقليمية، يجب أن يُقرأ هذا التوافق لا بوصفه سردية ناعمة، بل كمحفّز تجاري صلب. الفئات التي تدخلها المراعي — الاستزراع المائي، اللحوم الحمراء الممتازة، البروتين ذو القيمة المضافة — هي تحديداً تلك التي يتسارع فيها الطلب المحلي، وحيث يُتيح إحلال الواردات أعلى إمكانيات هامش وتسعير.
رأي المحرر: اقرأ الإشارة لا العنوان
من يقرأ صافي ربح المراعي في الربع الأول 2026 بمعزل عن سياقه سيجد خيبة أمل: أرباح ثابتة أمام نمو إيرادات قوي، وضغط على الهوامش في أسرع قطاعات النمو، وارتفاع تكاليف التمويل. على السطح، هذه مؤشرات تعثّر في التنفيذ.
غير أن قراءة الصورة كاملة تكشف مشهداً مختلفاً. المراعي تُنفّذ واحداً من أضخم التحولات في قطاع الغذاء بتاريخ دول الخليج: توسيع طاقة الدواجن إلى مستويات قارّية، والدخول من نقطة الصفر إلى إنتاج المأكولات البحرية واللحوم، ودمج استحواذ بيفرجيز ضخم، وإدارة انتقال قيادي، وإعادة هيكلة المزيج الجغرافي نحو مصر ودول الخليج ذات الديناميكيات أعلى على المدى البعيد.
هذا النوع من التحول لا يُنتج منحنيات أرباح فصلية ناعمة. لكنه يُنتج — إذا نُشر رأس المال بكفاءة وتوسّعت الفئات وفق المخطط — شركة مختلفة جوهرياً بحلول 2028: مستهدف إيرادات يبلغ 30 مليار ريال، ومحفظة بروتين متكاملة رأسياً لا مثيل لها إقليمياً، وموقع تنافسي تعزّزه الأهمية الاستراتيجية الوطنية. الربع الأول 2026 هو ثمن بناء تلك الشركة. والسؤال الحقيقي للمحللين ليس عن تراجع الهوامش هذا الربع — بل عن المنصة التي تُشيَّد: هل تستحق هذا الضغط؟

