مذكرة التفاهم في سطور

-في 23 يونيو 2026، أبرمت المملكة العربية السعودية مذكرةَ تفاهمٍ ثلاثيةً بين البرنامج الوطني لتطوير الثروة الحيوانية والسمكية وشركة AniVax — أول مركز متكامل لتصنيع اللقاحات الحيوانية في المملكة — وشركة Boehringer Ingelheim، إحدى الشركات الرائدة عالميًا في صحة الحيوان. جرى التوقيع في مقر وزارة البيئة والمياه والزراعة بالرياض، في إشارةٍ إلى أعلى مستوى من الالتزام المؤسسي بهذه المبادرة.

تُرسي المذكرة إطارًا للتعاون يرتكز على ثلاثة محاور استراتيجية: توطين تصنيع اللقاحات البيطرية، وتعزيز قدرات البحث والتطوير داخل المملكة، وتقوية منظومة الوقاية من الأمراض والبنية التحتية للأمن البيولوجي. والأهم من ذلك، أن المذكرة تُجسّد خيارًا سياسيًا واضحًا: التعامل مع صحة الحيوان لا بوصفها شأنًا بيطريًا هامشيًا، بل بوصفها قضية أمن غذائي وسيادة وطنية مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بأهداف رؤية 2030 في مجال التقنية الحيوية والاكتفاء الذاتي.

أبرز ما جاء في المذكرة

  • تستورد المملكة حاليًا نحو 90% من لقاحاتها الحيوانية، مما يُفضي إلى هشاشة حرجة في سلسلة إمداد الثروة الحيوانية وركيزة الأمن الغذائي.
  • تتموضع AniVax — التي طوّرتها شركة BIOERA وتدعمها شركة Vaccine Industrial Company — بوصفها أول مركز متكامل لتصنيع اللقاحات في المملكة، بطاقة إنتاجية تبلغ 50–100 مليون جرعة سنويًا في المرحلة الأولى.
  • تُحضر Boehringer Ingelheim، إحدى أكبر ثلاث شركات لصحة الحيوان عالميًا، عقودًا من الخبرة في منصات اللقاحات وشبكة عالمية تمتد لأكثر من 150 دولة.
  • يُتوقع أن يبلغ سوق اللقاحات البيطرية المحلي 918 مليون ريال بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركّب يتراوح بين 9 و10%.
  • قد يُخفّض الإنتاج المحلي تكاليف اللقاحات بنسبة تتراوح بين 15 و40%، مما يُوفّر ما بين 750 مليون و1.5 مليار ريال سنويًا لاقتصاد الثروة الحيوانية في المملكة.
  • تأتي المذكرة في سياق جهود سعودية أوسع: إذ سبقتها اتفاقيات مع الشركة الفرنسية Ceva Santé Animale، فيما انطلق بالفعل العمل على توطين لقاح الحمى القلاعية.

المنطق الاستراتيجي: لماذا باتت اللقاحات البيطرية أصلًا للأمن الغذائي؟

التأطير الذي اختارته الجهات السعودية لهذه الاتفاقية لافتٌ ودالٌّ. فلم يتعامل المسؤولون مع اللقاحات الحيوانية باعتبارها مجرد بند في منظومة المشتريات، بل رفعوها إلى مصافّ فئة أصول الأمن البيولوجي. وقد أشار مشعل الشاثي، المشرف العام على المبادرة البيوتكنولوجية في البرنامج الوطني لتطوير الثروة الحيوانية والسمكية، إلى أن 75% من أمراض الحيوان قابلة للانتقال إلى الإنسان، وهو رقم يُعيد تأطير صحة الثروة الحيوانية بوصفها ضرورةً صحيةً عامةً وأمنًا غذائيًا، لا مجرد تكلفة مدخلات زراعية.

أما الهشاشة البنيوية فموثّقة بوضوح. تستورد المملكة نحو 90% من لقاحاتها الحيوانية، ولا يتجاوز الإنتاج المحلي من البيولوجيات الحيوانية 20% على مستوى دول الخليج. وبين عامَي 2020 و2024، تسبّبت اضطرابات سلاسل الإمداد في نقص حادّ في لقاحات الدواجن استمر من أربعة إلى اثني عشر شهرًا. ويُضاف إلى ذلك أن تعقيدات سلسلة التبريد في الاستيراد تُفضي إلى هدرٍ إضافي يتراوح بين 8 و15%. وهذه ليست قصوراتٍ يُمكن التسامح معها في منظومة غذاء تستهدف الاكتفاء الذاتي بنهاية العقد.

540M ر.س
حجم سوق اللقاحات البيطرية (2024)
9–10%
معدل النمو السنوي المركّب حتى 2030
15–40%
تخفيض محتمل في التكلفة عبر الإنتاج المحلي
10–30%
تحسين الفاعلية باستخدام السلالات المحلية

وما يتجاوز ضمانات الإمداد، يتيح الإنتاج المحلي منتجًا أفضل نوعيًا: فاللقاحات المُصمَّمة وفق السلالات المرضية المحلية بدلًا من السلالات العالمية الموحّدة يمكنها تحقيق تحسين في الفاعلية يتراوح بين 10 و30% في مواجهة مسبّبات الأمراض السائدة في قطعان المملكة. وفي قطاع تُكلّف فيه موجات تفشّي الأمراض المتكررة مئات الملايين سنويًا، هذه حجة تشغيلية مقنعة تتجاوز رمزية السياسات بمراحل.

AniVax: من مشروع إلى مركز إنتاج

صمّمت شركة BIOERA — المقيمة في الرياض والمتخصصة في إدارة المشاريع التقنية الحيوية والصيدلانية — منشأة AniVax بوصفها منشأةً نمطيةً قابلةً للتوسع تتموضع ضمن المنظومة الصناعية البيوتكنولوجية الناشئة في المملكة. وتستهدف المرحلة الأولى طاقةً إنتاجيةً بين 50 و100 مليون جرعة سنويًا، مستخدمةً أنظمة المفاعلات الحيوية أحادية الاستخدام التي تُخفّض النفقات الرأسمالية الأولية وتُتيح تغيير المنتج بسرعة.

تشمل المحفظة الأولية للقاحات الفئاتِ الأكثر أهمية تجاريًا ووبائيًا في قطاع الثروة الحيوانية بالمملكة. على صعيد الدواجن — التي تُشكّل 68% من سوق اللقاحات البيطرية المحلية — تستهدف AniVax أمراض نيوكاسل والجمبورو وإنفلونزا الطيور، وهي ثلاثة أمراض لها تاريخ موثّق من موجات التفشّي المُكلفة في منطقة الخليج. أما على صعيد المجترات، فتشمل المحفظة الحمى القلاعية للمجترات ومرض الجلد العقدي والبروسيلا — وكلها أمراض ذات أولوية في البرنامج الوطني لصحة الثروة الحيوانية.

«-اللقاحات الحيوانية تمسّ الأمن الغذائي مباشرةً، إذ إن 75% من أمراض الحيوان قابلة للانتقال إلى الإنسان — ومن ثَمَّ باتت صناعة التوطين ضرورةً لا خيارًا.»

مشعل الشاثي — المشرف العام للمبادرة البيوتكنولوجية، البرنامج الوطني لتطوير الثروة الحيوانية والسمكية

تستهدف شركة Vaccine Industrial Company (VIC)، كيان التصنيع التابع لـ AniVax، إقامة منشأة مساحتها 42,000 متر مربع في مدينة سدير الصناعية، بمحفظة من 11 منتجًا وإيراداتٍ متوقعةً بـ 1.078 مليار ريال بحلول 2030. وهذه التوقعات ليست ضربًا من التفاؤل المحض، بل هي مدعومة بفجوة طلب هيكلية باتت مذكرة التفاهم مع Boehringer Ingelheim مُصمَّمةً رسميًا لردمها.

Boehringer Ingelheim: شريك بعمق منصّة حقيقي

اختيار Boehringer Ingelheim شريكًا تقنيًا دوليًا اختيارٌ مدروس وذو دلالة. فبوصفها إحدى أكبر ثلاث شركات لصحة الحيوان عالميًا، والرائدةَ في فئات عدة من لقاحات الماشية والدواجن، لا تُحضر الشركة التقنيات فحسب، بل إطارًا تنظيميًا وتصنيعيًا راسخًا يمتد عبر أكثر من 150 دولة.

تأسست الشركة عام 1885 وهي تظل مملوكةً للقطاع الخاص، وقسمها المعني بصحة الحيوان يجمع بعمق بين علم اللقاحات وعلم الأحياء الجزيئي وهندسة العمليات الحيوية والتطوير السريري. والتزامها المُعلن بتطوير حلول مبتكرة لأمراض الحدود وتحديث سلالات اللقاحات مع تطور الأمراض — هو بالضبط النوع من القدرة التقنية الديناميكية التي تحتاج المملكة إلى استيعابها، حتى لا يقتصر طموحها في التصنيع المحلي على نسخ قدرات العقد الماضي.

في فبراير 2025، أطلقت Boehringer لقاح VAXXITEK HVT+IBD+H5، وهو لقاح ثلاثي للدواجن يُقدّم حمايةً في جرعة واحدة من مرض ماريك والجمبورو وإنفلونزا الطيور H5 — معمارية منتج تعكس مسار التصميم المستقبلي للقاحات وثيق الصلة بالأمراض ذات الأولوية في المحفظة المستهدفة من AniVax.


لَبِنة في منظومة سياساتية أوسع

لا تقف مذكرة Boehringer Ingelheim وحيدةً في المشهد. فهي آخرُ حلقة في مسعى منظّم لبناء قاعدة تصنيع سيادية في صحة الحيوان. ففي فبراير 2026، أبرم البرنامج الوطني لتطوير الثروة الحيوانية والسمكية اتفاقيةً موازيةً مع الشركة الفرنسية Ceva Santé Animale — أول تعاون دولي رئيسي داخل «بايوتك بارك» المتخصص في المملكة — يرتكز على نقل التقنية وتدريب الكوادر السعودية في تخصيص السلالات وإنتاج اللقاحات للماشية والدواجن.

وبشكل منفصل، أطلق البرنامج بالفعل فرصًا لتوطين إنتاج لقاح الحمى القلاعية، أحد أعلى أمراض الماشية أثرًا وتكلفةً في منطقة الشرق الأوسط. مجتمعةً، تكشف هذه المبادرات عن نهج محفظة منهجي: شركاء مختلفون لفئات أمراض مختلفة، كلها مُربوطة بإطار صناعي وتنظيمي موحّد تحت مظلة وزارة البيئة والمياه والزراعة.

«-سيُسهم ذلك في رفع كفاءة المنظومة الصحية والإنتاجية للثروة الحيوانية، وتحسين الإنتاجية، والحدّ من الخسائر الاقتصادية، ودعم سلاسل الإمداد من خلال منتجات وطنية عالية الجودة وحلول تشخيصية متقدمة تُعزز الاستعداد والاستجابة السريعة.»

وز
وزارة البيئة والمياه والزراعة
البيان الرسمي حول برنامج توطين البيوتك البيطري

التداعيات على منظومة الإنتاج الغذائي في الخليج

يُتوقع أن يدفع النمو السكاني في دول الخليج والتحوّلات الغذائية الهيكلية الطلبَ على البروتين إلى الارتفاع بنسبة 20 إلى 30% بحلول 2030. وهذا المسار يمرّ مباشرةً عبر قطاعَي الثروة الحيوانية والدواجن — وكلاهما يعتمد كليًا على توافر اللقاحات للحفاظ على الإنتاجية وإدارة الأمراض وصون الأمن البيولوجي. وفي هذا السياق، لا تُمثّل قدرةٌ سيادية في تصنيع اللقاحات استثمارًا هامشيًا، بل هي شرطٌ ضروري لتشغيل سلسلة الإمداد المحلية للبروتين برمّتها.

ويحمل إحلال الواردات في قطاع صحة الحيوان مكاسب اقتصادية كلية لافتة. وفق تحليل AniVax ذاتها، يُمكن للإنتاج المحلي خفض تكلفة الجرعة بنسبة 15 إلى 40% من خلال تفادي الأعباء اللوجستية وخسائر سلسلة التبريد وهامش الاستيراد. وبالحجم الكافي، يترجم ذلك إلى وفوراتٍ سنوية مقدّرة بين 750 مليون و1.5 مليار ريال لاقتصاد الثروة الحيوانية في المملكة — أي إعادة توجيه حقيقية لرأس المال نحو التوسع الإنتاجي بدلًا من احتكاكات سلاسل الإمداد.

وعلى صعيد منطقة الخليج الأشمل، قد يمتلك الدفع السعودي نحو لقاحات البيوتك بُعدًا تصديريًا. فقاعدة تصنيعية تُنتج ما بين 50 و100 مليون جرعة سنويًا — مدعومةٌ بشركاء دوليين يوفّرون المصداقية التنظيمية وخبرة التركيبة — يمكنها واقعيًا خدمة أسواق إقليمية تتجاوز الاستهلاك الذاتي للمملكة، مُفرزةً فئةً جديدة من الصادرات في علوم الحياة.


مخاطر التنفيذ وعوامل الرصد

الطموح جدير بالتصديق. لكن مخاطر التنفيذ ليست ضئيلة. المحللون المتابعون لبرامج توطين التقنية الحيوية المماثلة في المنطقة — بما فيها قاعدة تصنيع الأدوية الأردنية واستثمارات الأمن البيولوجي الإماراتية — يرصدون باستمرار تحديَّين بنيويَّين: مسارات التنظيم الزمنية وإعداد المواهب العلمية.

يستلزم تصنيع اللقاحات وفق المعايير الدولية تفاعلًا تنظيميًا مستمرًا مع جهات كالهيئة السعودية للغذاء والدواء (SFDA)، فيما يُضيف الحصول على مؤهّل الأمم المتحدة لصحة الحيوان أو معاييرٍ موازية للأسواق التصديرية مزيدًا من الوقت والتكلفة. كذلك تستدعي اتفاقيات نقل التقنية من النوع المُتصوَّر في مذكرتَي Boehringer و Ceva استثماراتٍ مُوازيةً في الكوادر العلمية البشرية — مهندسين وعلماء بيولوجيا دقيقة ومتخصصين في ضمان الجودة — يتطلب تأهيلها سنواتٍ من العمل الممنهج.

تتضمن المذكرة صراحةً مكوّنَ تبادل المعرفة والتدريب بوصفه عنصرًا محوريًا، ومشاركة شريك بمستوى Boehringer Ingelheim المؤسسي تُخفّف ملف المخاطر بشكل ملموس. غير أن الفجوة بين مذكرات التفاهم وخطوط التصنيع الفعلية تظل التحدّيَ التنفيذي المحوري — وسيُقاس مصداقية البرنامج في نهاية المطاف بجداول تسليم الجرعات، لا بمراسم التوقيع.

رأي المحرر

الأجدر قراءة مذكرة التفاهم الثلاثية للقاحات البيطرية لا بوصفها صفقةً منفردة، بل بوصفها التزامًا بنيويًا بمعاملة الصحة الحيوانية معاملة البنية التحتية. المنطق مقنع: لا يمكن لمنظومة غذاء أن تكون سيادية إذا ظلّت المدخلات البيولوجية الحامية لسلسلة إمداد البروتين رهينةَ الاستيراد. ومشاركة شركة بمكانة Boehringer Ingelheim — إلى جانب الانخراط المتوازي مع Ceva ومبادرة الحمى القلاعية — يُشير إلى أن المملكة تبني قاعدة شركاء متنوعة بالمعنى الحقيقي، لا تبعيةً بائعٍ واحد تحلّ محلّ أخرى.

للمستثمرين والمشغّلين الذين يتابعون تقاطع الأمن الغذائي وتصنيع التقنية الحيوية والسياسة الصناعية لرؤية 2030، هذا قطاعٌ يستحق متابعةً مستدامة. أرقام السوق وحدها دالّة — سوق محلية بـ 918 مليون ريال تنمو بمعدلات مزدوجة الرقم مع إمكانية امتداد إقليمي — لكن الإشارة الأعمق هيكلية: المملكة العربية السعودية تُغلق منهجيًا الفجوةَ بين الطموح الغذائي وحقيقة التصنيع البيولوجي.