"السوق لا ينتظر اكتمال الصورة قبل أن يُعيد توزيع الحصص."

— من تحليل نعناع، فودتك السعودية، أبريل 2026

بعد أسابيع قليلة من نشر ذلك التحليل، بدت الجملة وكأن السوق يرد عليها مباشرةً. كشفت وثيقة صادرة عن الرياض المالية في إطار صندوق استثماري مرتبط بالطرح أن نينجا حققت إيرادات تقارب 3.75 مليار ريال في 2025، بهامش صافي ربح لقطاع البقالة يبلغ نحو 6% من الدخل. وتستهدف الشركة جمع ما يقارب مليار دولار عبر طرح عام محتمل في سوق الأسهم السعودي، قد يرفع تقييمها إلى حدود 5 مليار دولار.

هذه الأرقام تُقرأ في سياق سوق فقد فيه رائده الأول نعناع توازنه المالي بعد 38 شهراً من أضخم جولة تمويل في تاريخ القطاع، وفي مواجهة سؤال كان مطروحاً بحدة: هل نموذج التجارة السريعة قابل للاستدامة أصلاً في السوق السعودي؟

ما تقوله أرقام نينجا اليوم ليس إجابة نهائية — لكنه إشارة يصعب تجاهلها.


أولاً

ما الذي بنته نينجا بشكل مختلف؟

في تحليل نعناع، أسّسنا مفهوم كثافة الشبكة كأحد المحركات الجوهرية للربحية في قطاع التوصيل السريع: تقاطع كثافة العرض — عدد المتاجر السحابية — وكثافة الطلب — عدد الطلبات اليومية في المنطقة — وكثافة المناديب في نفس اللحظة. وخلصنا إلى أن نعناع عانت من تفريق مواردها على رقعة جغرافية أوسع من قدرة نموذجها على توليد كثافة فعلية.

نينجا اختارت مساراً مختلفاً يمكن وصفه بـ"التكثيف قبل التوسع": ضخّت متاجرها السحابية في الرياض وجدة أولاً، قبل الانتشار في مدن أخرى.

النتيجة التشغيلية: بدلاً من مندوب يحمل طلباً واحداً لكل رحلة، أصبحت الكثافة الجغرافية كافية في أحياء الرياض الكبرى لتمكين دمج 2.5 إلى 3 طلبات في جولة واحدة — وهذا الرقم وحده يُغير معادلة تكلفة التوصيل جذرياً.

هذا التحول لا يظهر في عدد المتاجر الإجمالي. يظهر في الهامش.

في الوقت ذاته، تجاوزت نينجا فخ النموذج الهجين الذي شخّصناه في حالة نعناع — الوقوع في المنطقة الوسطى بين منصة التجميع خفيفة الأصول وتجارة سريعة مكثّفة. نينجا اختارت الوضوح: تجارة سريعة متكاملة مع مخزون خاص وتجربة موحّدة، راهنةً على أن الكثافة الجغرافية ستجعل التكاليف الثابتة مبررة.

ثانياً

ما الذي تقوله مقارنة الهوامش؟

الصورة الأكثر إثارة للتساؤل في وثيقة الرياض المالية ليست أرقام الإيرادات — بل مقارنة الهوامش مع التجزئة التقليدية.

مقارنة صافي الربح — قطاع البقالة
المؤشر
نينجا
أسواق العثيم
الإيرادات (ريال)
~3.75 مليار
+11 مليار
صافي الربح (ريال)
~93 مليون
~250 مليون
هامش صافي الربح
6%
2.2%
ما تقوله الأرقام

منصة رقمية تعمل بأصول خفيفة نسبياً حققت هامشاً مئوياً أعلى بكثير من سلسلة تجزئة تقليدية تمتلك شبكة واسعة من المتاجر الفعلية وأصولاً ضخمة.

ما لا تقوله الأرقام

العثيم تملك مخزوناً حقيقياً، وشبكة توزيع مبنية على عقود، وعلاقات موردين راسخة، وثقة مستهلك بُنيت عبر عقود. الهامش المئوي لا يعكس قوة تشغيلية مكتملة، بل قد يعكس مرحلة نمو مرتفعة يجب التحقق من استدامتها على حجم أكبر.

السؤال التحليلي الحقيقي: إذا كانت منصة رقمية تعمل بكثافة جغرافية عالية تستطيع تحقيق هذا الهامش — فأين يكمن مصدر الميزة تحديداً؟ التكنولوجيا؟ انخفاض الأصول الثابتة؟ أم أن جزءاً منه مرتبط بمرحلة النمو ذاتها وسيتغير مع التوسع؟ الإجابة هي ما سيُحدد ما إذا كانت هذه الأرقام تمثل نموذجاً قابلاً للتوسع — أم لحظة زمنية مثيرة لكنها غير قابلة للتعميم.

ثالثاً

من "خدمة توصيل" إلى طبقة تشغيل يومية

في تحليل نعناع، أسّسنا فكرة منظومة الوصول: المنصات الناضجة عالمياً لا تبيع التوصيل كمنتج رئيسي، بل تبني منظومة متكاملة من مصادر الإيراد — الإعلانات الرقمية، والعلامات التجارية الخاصة، والاشتراكات، والخدمات اللوجستية للغير، والخدمات المالية المدمجة، وبيع البيانات والرؤى للموردين.

السؤال اليوم: أين تقع نينجا على هذا المسار؟

إنستاكارت اليوم تحقق ما بين 2.5 و4% من إجمالي قيمة معاملاتها من الإعلانات وحدها — وهو المصدر الذي يمثّل الفرق بين الخسارة والربح على مستوى كل طلب.

المنصة التي تصل إلى مرحلة الاعتماد اليومي تتحول تدريجياً من تطبيق توصيل إلى طبقة تشغيل يومية للاستهلاك: تمتلك بيانات الشراء وتوقيته وتكراره وتركيبته والمنطقة الجغرافية.

المؤشر الذي سيُحدد مدى جدية نينجا في بناء منظومة الوصول لن يكون إيرادات التوصيل — بل حجم إيرادات الإعلانات والخدمات المضافة في السنوات الثلاث القادمة بعد الطرح.

رابعاً

ماذا يقول المستثمرون؟

اختيار Citi وGoldman Sachs وUBS إلى جانب الرياض المالية للعمل على الطرح المحتمل إشارة بحد ذاتها. هذه البنوك لا تُدرج قصصاً محلية — تُدرج قصصاً ذات حجم إقليمي قابل للتسويق لمستثمرين مؤسسيين دوليين.

في 2025، جمعت نينجا 250 مليون دولار من مستثمرين محليين بقيادة الرياض المالية على تقييم 1.5 مليار دولار.

الطرح المحتمل يستهدف تقييماً يبلغ 5 مليار دولار — أي 3.3 ضعف في أقل من سنتين.

هذه القفزة في التقييم تعكس أحد أمرين: إما أن الأرقام التشغيلية تبرر التقييم الجديد بشكل موضوعي، أو أن السوق المالي يُسعّر توقعات نمو لم تتحقق بعد. الفرق بين الاحتمالين هو ما سيُحدد نوعية الطرح وتوقيته وأداءه في السوق الثانوي.