من الاكتشاف العلمي إلى الأثر القابل للتوسع

“قصة المؤسس – تيراكسي” | فودتك السعودية

في عالم تتسارع فيه تحديات التصحّر وتدهور التربة وشحّ المياه، برزت تيراكسي كقصة طموح علمي تحوّل إلى واقع. من مختبرات جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) انطلقت الفكرة، لتتجسّد اليوم في شركة سعودية ناشئة تقود مسارًا جديدًا نحو زراعة مستدامة في أصعب البيئات الصحراوية. ما بدأ كابتكار بحثي أصبح مشروعًا يحمل رؤية عالمية: إعادة تشكيل مستقبل التربة، والمساهمة في أمن غذائي مستدام يمتد لأجيال.

  1.  كيف بدأت فكرة تِراكسي؟ وما الذي ألهمكم للانتقال من المختبر إلى الميدان؟

انطلقت فكرة تيراكسي خلال بحث الدكتوراه الذي أجراه أدير غالو في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) تحت إشراف الأستاذ الدكتور هيمانشو ميشرا، حيث تركز العمل على تطوير تقنيات مبتكرة لتعديل التربة ودعم نمو النباتات في الأراضي الرملية الفقيرة. وقد شكّل الفحم الحيوي (Biochar) أحد أبرز التحديات، إذ حالت درجة حموضته المرتفعة وخصائصه الكيميائية دون ملاءمته للبيئات الصحراوية.

وبعد سنوات من البحث والتجريب، نجح الفريق في ابتكار عملية معالجة كيميائية متقدمة عالجت هذه الإشكاليات وأطلقت الإمكانات الكامنة للفحم الحيوي. وقد أثبتت النتائج المخبرية جدارتها على نحوٍ جعل من الصعب حصر هذا الإنجاز في إطار أكاديمي فحسب. ومن هنا تأسست تيراكسي، باسم يجسد رسالتها: Terra (التربة) وXY (الهندسة)، أي هندسة التربة لإعادة تشكيل الأرض.

  1.  ما المشكلة التي كنتم تحاولون حلها؟ وما الذي يجعل نهج تِراكسي فريدًا؟

تواجه المناطق الجافة تحديًا يتمثل في تربة فقيرة لا تحتفظ بالماء أو العناصر الغذائية، ما يجعل الزراعة فيها مكلفة وغير مستدامة. أما الحلول التقليدية، مثل الخث، فهي مستوردة مرتفعة التكلفة وذات أثر بيئي سلبي.
هنا يأتي كاربوسويل، المنتج الرائد من تيراكسي، كأول تعديل صناعي للتربة يعتمد على الفحم الحيوي ومصمم خصيصًا للترب الجافة والقلوية.

يمتاز بقدرته على زيادة احتفاظ التربة بالماء، وتعزيز توفر المغذيات، ودعم نمو النباتات، إضافة إلى تخزين الكربون في التربة لقرون طويلة — وكل ذلك من خلال تطبيق واحد فقط.

  1.  كيف كانت مرحلة الانتقال من البحث الأكاديمي إلى تأسيس الشركة؟

بدأ التحول من المختبر إلى الواقع بسؤال جوهري: “إذا كانت النتائج مذهلة في المختبر، فكيف ستنعكس في الحقل؟”
وقد جاءت الإجابة واضحة في التجارب الحقلية بمزرعة كاوست البحثية، حيث أظهرت النباتات المزروعة باستخدام كاربوسويل نموًا استثنائيًا مقارنة بالطرق التقليدية. هذه النتائج لفتت أنظار مشاريع كبرى وشركاء محليين، مما فتح الباب أمام فرص أوسع للتطبيق.

بدعم من حاضنة كاوست، انطلقت تيراكسي بخطوات واثقة، مستفيدة من التمويل والإرشاد لتوسيع نطاق الإنتاج من كميات تجريبية بالكيلوغرامات إلى تصنيع بالأطنان. وخلال هذه الرحلة، اكتسب الفريق خبرة عملية في سلاسل الإمداد ومتطلبات السوق، مع الحفاظ على جوهره العلمي كركيزة للابتكار.

  1.  ما أبرز التحديات التقنية أو السوقية في توسيع نطاق كاربوسويل؟

كان التحدي التقني يتمثل في توسيع نطاق المعالجة الكيميائية للفحم الحيوي مع الحفاظ على دقة الخصائص والتكلفة الاقتصادية. وقد نجحت تيراكسي في ذلك عبر تطوير خط إنتاج مستمر بالتعاون مع مهندسين كيميائيين متخصصين.

أما على مستوى السوق، فقد كان الفحم الحيوي يفتقر إلى الثقة نتيجة التجارب السابقة غير الموثوقة، فركّز الفريق على الشفافية من خلال تجارب حقلية موسعة بمشاركة شركاء أوائل، مع نشر النتائج علنًا، مما ساهم في بناء الموثوقية وتحقيق جذب تجاري فعّال.

  1.  ما هو تعريفكم للأثر البيئي، وكيف تقيسونه؟

ترتكز تيراكسي على ركيزتين أساسيتين في الاستدامة: استعادة صحة التربة واحتجاز الكربون. فكل متر مكعب من كاربوسويل يُنتَج من نفايات الكتلة الحيوية التي كانت ستتحلل مطلقةً ثاني أكسيد الكربون، لكنه بدلاً من يُخزَّن في التربة لقرون، ويُحوّل إلى أرصدة كربونية قابلة للقياس.

تنعكس الفوائد بشكل ملموس عبر تحسّن احتفاظ التربة بالماء، وزيادة توفر المغذيات، وارتفاع معدلات بقاء النباتات، لاسيما في البيئات القاسية. وبهذا أصبحت تيراكسي في طليعة الابتكار العالمي في توظيف الفحم الحيوي لمعالجة التربة الجافة وتحويلها إلى مصدر إنتاج مستدام.

  1.  كيف تتماشى ابتكارات تِراكسي مع أهداف رؤية السعودية 2030؟

تتوافق ابتكارات تيراكسي مع أهداف رؤية السعودية 2030 عبر الإسهام في رفع كفاءة استخدام المياه، وتعزيز الغطاء النباتي، وتمكين الزراعة المستدامة في البيئات المحلية. وقد شاركت الشركة في مشاريع وطنية رائدة مثل منتزه وادي قُديد الوطني ومحمية منيفة في نيوم، حيث جرى استخدام كاربوسويل لزراعة أكثر من 50,000 نبتة بنجاح.

وبذلك لا تكتفي تيراكسي بدعم مستهدفات الرؤية، بل تُحوّلها إلى نتائج عملية قابلة للقياس، تعكس أثرًا ملموسًا ومستدامًا على الأرض.

  1.  ما رؤيتكم المستقبلية لتِراكسي؟

على الصعيد المحلي، تطمح تيراكسي إلى أن تصبح الشريك الأول في مجال تعديل التربة ضمن المشاريع الوطنية الكبرى والمشاتل في المملكة. ويمثل مصنعها الجديد، بقدرة إنتاجية سنوية تبلغ 20,000 متر مكعب، خطوة محورية نحو تحقيق هذا الهدف.

أما عالميًا، فتتطلع الشركة إلى اغتنام الفرص الواسعة في المناطق الجافة وشبه الجافة حول العالم — من شمال إفريقيا إلى أستراليا والأمريكتين — لتقدم معيارًا جديدًا في معالجة التربة واحتجاز الكربون على نطاق عالمي.

  1.  ما النصيحة التي توجهونها للرياديين القادمين من خلفية علمية؟

– ابدأ من جوهر المشكلة قبل الانشغال بالتقنية.
– اختبر فكرتك مبكرًا وفي الميدان، بعيدًا عن قيود المختبر.
– ابنِ فريقًا متنوع الخبرات، فالتحديات الكبرى تحتاج إلى عقول متعددة التخصصات.
– اجعل تركيزك منصبًا على خلق قيمة ملموسة لا مجرد ابتكار نظري.
– تحرّك بسرعة، وجرّب بلا توقف، واجعل السوق هو البوصلة التي ترشد خطواتك.

 

ختامًا، تمثل تيراكسي أكثر من مجرد شركة ناشئة؛ إنها قصة تثبت كيف يمكن للابتكار العلمي السعودي أن يتحول إلى حلول عملية لتحديات عالمية. فمن خلال هندسة التربة واحتجاز الكربون، تسهم الشركة في وضع المملكة على خريطة الاستدامة العالمية — مترًا مكعبًا تلو الآخر.

مشاركة المقال