أبوظبي تُطلق علامة الغذاء المميّز
لاعتماد الدجاج المحلي عالي الجودة
مخطط اعتماد حكومي جديد يُغطي سلسلة إنتاج الدواجن بأكملها — من المزرعة إلى الرف — في سوق لا تزال تعتمد على الاستيراد بنسبة 85% لتلبية احتياجاتها من البروتين الطازج.
المبادرة في سياقها
أطلق مجلس أبوظبي للجودة والمطابقة (ADQCC) بالتعاون مع هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية (ADAFSA) علامة الغذاء المميّز للدجاج المبرد المنتج محلياً، وذلك خلال مشاركتهما في فعاليات ملتقى "اصنع في الإمارات 2026" في مايو الماضي. تنبثق هذه الشهادة من استراتيجية الحياة الصحية لإمارة أبوظبي، وتُرسي معايير فنية تتجاوز الحدود الدنيا للمواصفات الإماراتية القائمة عبر سلسلة القيمة الكاملة للدواجن، من تربية الطيور وتغذيتها، مروراً بعمليات الذبح والتصنيع، وصولاً إلى التعبئة والتوزيع.
تنطلق المرحلة التجريبية للمخطط في يونيو 2026، بمشاركة عدد مختار من منتجي الدواجن في أبوظبي، مشروطةً باستيفاء متطلبات تقييم المطابقة والاعتماد. تبقى المشاركة في البرنامج طوعية، غير أن الجهات المعنية أكدت وجود آليات اعتماد ورقابة ميدانية لضمان مصداقية العلامة عند تبنيها.
أبرز النقاط
- أطلق مجلس ADQCC وهيئة ADAFSA علامة الغذاء المميّز في إطار استراتيجية الحياة الصحية، بمعايير فنية تشمل دجاج مبرد محلي عبر كامل السلسلة الإنتاجية.
- تُسهم أبوظبي بنحو 60% من إنتاج الدواجن الطازج في الإمارات، ما يجعلها المحرك الطبيعي لأي برنامج وطني لرفع معايير الجودة.
- تظل الإمارات شديدة الاعتماد على الاستيراد؛ إذ يُتوقع ألا يُغطي الإنتاج المحلي سوى 15% من الاستهلاك عام 2026، فيما يُقدَّر الاستيراد بنحو 410,000 طن.
- تُدرج العلامة تصنيفات جودة متدرجة، ومتطلبات لرعاية الحيوان والاستدامة، تتجاوز المعايير الإماراتية الحالية.
- تقدم المبادرة لصانعي القرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نموذجاً قابلاً للتطبيق لاستخدام أطر الاعتماد أداةً لرفع الإنتاج وتقليص الاعتماد على الاستيراد في آنٍ معاً.
لماذا الاعتماد؟ المنطق الاستراتيجي
يواجه قطاع الدواجن الإماراتي مفارقة هيكلية عميقة: الطلب في نمو متسارع — مدفوعاً بالنمو السكاني والسياحة والتحولات الغذائية لدى مجتمع وافد متنوع — غير أن المنتجين المحليين عجزوا تاريخياً عن الحصول على مكانة مميزة على أرفف التجزئة في مواجهة العلامات المستوردة من البرازيل، التي تستأثر وحدها بـ78% من واردات الدواجن الإماراتية بأسعار تنافسية.
جاءت علامة الغذاء المميّز لكسر هذه المعادلة عبر بناء إشارة جودة موثوقة ومدعومة حكومياً يستطيع المنتجون المحليون توظيفها تجارياً. فبتحويل المعايير التشغيلية الداخلية التي يلتزم بها كثير من منتجي الدواجن الإماراتيين بصورة غير رسمية إلى أصل قابل للتحقق والتواصل مع المستهلك، يفتح البرنامج أمام المنتجين المحليين ملعباً تنافسياً قائماً على الاعتماد لا على السعر وحده.
«-تُكمل هذه المبادرة جملة المبادرات المتقاطعة التي نُطلقها في إطار استراتيجية الحياة الصحية بأبوظبي، لتعزيز منظومة الغذاء وتمكين المستهلك من معلومات أوضح وخيارات أكثر. إن الاعتراف بمعايير إنتاج متقدمة يدعم اتخاذ قرارات مستنيرة، ويُعزز في الوقت ذاته صمود المنظومة المحلية وأمنها الغذائي والثقة بالمنتجات المصنوعة في الإمارات.»
ما تشمله المعايير
يُغطي الإطار الفني ستة محاور رئيسية: ممارسات تربية الدواجن، وإدارة الأعلاف وجودتها الغذائية، ورعاية الحيوان، وعمليات الذبح والتصنيع، والتعبئة وإدارة السلسلة الباردة، واشتراطات الاستدامة التي تشمل ترشيد استهلاك المياه والطاقة. ويُتيح البرنامج تصنيفات جودة متدرجة للمنتجات المستوفية لمعاييره، مما يُمكّن المنتجين من التمايز صعوداً داخل الفئة المعتمدة، في نهج مشابه لنماذج الاعتماد المتميز المعمول بها في المنظومات الغذائية الأوروبية واليابانية.
ربطت هيئة ADAFSA هذه العلامة ببنيتها الاعتمادية الزراعية القائمة، بما فيها برنامج الممارسات الزراعية الجيدة ADG.A.P. والبروتوكولات المنسجمة مع معايير GLOBALGAP المطبقة على أكثر من 1,500 مزرعة معتمدة في الإمارة.
استقبال قطاع التجزئة والصناعة
أبدت المؤشرات الأولى من قطاعي التجزئة والإنتاج تأييداً واضحاً للمبادرة. أعلنت مجموعة لولو — أكبر سلاسل التجزئة الغذائية في الإمارات ومشترٍ رئيسي للدواجن المنتجة محلياً — دعمها الصريح للمخطط، مؤكدةً تنامي شهية المستهلك لعلامات الجودة الموثوقة المدعومة بمعايير حكومية. يعكس هذا الموقف اتجاهاً أشمل في التجزئة الإماراتية: تتفوق المنتجات الغذائية المميزة ومعلومة المصدر على نظيراتها من الفئات العامة في فئات الأطعمة الطازجة.
«-باتت الثقة بشهادات الجودة والمطابقة حين تكون مدعومة بمعايير حكومية موثوقة أمراً مهماً للمستهلكين. ستعزز هذه المبادرة ثقة المستهلك في الدواجن الإماراتية المنتجة محلياً وترفع من تموضع المنتجات المحلية في السوق.»
رياض جبار — مدير قسم اللحوم والدواجن، مجموعة لولورحّبت مجموعة العين للمزارع (AAFG) — إحدى أكبر شركات إنتاج الدواجن في الإمارات — بالعلامة أيضاً، معتبرةً إياها خطوةً إيجابية تُرسّخ معايير الجودة التي يُطبقها كثير من المنتجين المحليين باحترافية فعلية في عملياتهم. والجدير بالذكر أن المجموعة ضخّت استثمارات منفصلة في مركز لوجستي بمساحة 260,000 قدم مربع في دبي بالشراكة مع Food Tech Valley، مما يدل على زخم قطاعي نحو التمركز المتميز في السوق وتطوير البنية التحتية للسلسلة الإمدادية.
معضلة الاعتماد على الاستيراد — ولماذا تهمنا
يوفر حجم الاعتماد الهيكلي الإماراتي على الاستيراد سياقاً بالغ الأهمية لفهم الطموحات الاستراتيجية لعلامة الغذاء المميّز. تُشير تقديرات خدمة الزراعة الخارجية الأمريكية (USDA/FAS) إلى أن الإنتاج المحلي من الدجاج في الإمارات سيبلغ نحو 75,000 طن عام 2026، في مقابل استهلاك متوقع يصل إلى 480,000 طن، مما يُفضي إلى فجوة استيراد تناهز 410,000 طن. انفردت البرازيل وحدها بتصدير 479,000 طن من الدواجن إلى الإمارات عام 2025، مستثمرةً اقتصاديات الحجم في الخدمات اللوجستية والبنية التحتية للحلال.
يُولّد هذا الاعتماد مخاطر أمن غذائي جليّة، تجلّت في اضطرابات الإمداد المرتبطة بتوترات الشحن في البحر الأحمر وتقلبات السوق التصديري البرازيلي. يجمع الرد الإماراتي بين دعم الأعلاف، والاستثمار في مزارع واسعة النطاق كمنشأة شركة الغرير للأغذية في كيزاد بمساحة 680,000 متر مربع لإنتاج 10,000 طن سنوياً، وأطر الاعتماد كعلامة الغذاء المميّز — وهو نهج متعدد المسارات يُعالج التعرض للمخاطر عبر الترقية في الحجم والقيمة معاً.
تضطلع علامة الغذاء المميّز بدور المحرك على جانب الطلب في هذه الاستراتيجية: فبتمكين المنتجين المحليين من المطالبة بأسعار متميزة للمنتجات المعتمدة، تخلق الحافز الاقتصادي للاستثمار المستمر في الطاقة الإنتاجية وأنظمة الجودة — دون الحاجة إلى دعم مباشر لكل وحدة إنتاج.
«-يُمثّل إطلاق علامة الغذاء المميّز ركيزةً أساسية في استراتيجيتنا لتعزيز مكانة أبوظبي مركزاً عالمياً رائداً للأمن الغذائي، من خلال تشجيع تبني التقنيات المستدامة وأنظمة الإنتاج عالية الجودة التي ترفع الأداء وجودة الإنتاج في قطاع الدواجن.»
الدلالات على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
بالنسبة لاستراتيجيي الأمن الغذائي وصانعي السياسات في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، تستحق مبادرة أبوظبي دراسةً متأنية بوصفها أداةً سياسية لا مجرد تطور في سوق محلية. فنموذج علامة الغذاء المميّز — اعتماد طوعي حكومي التصميم بتصنيفات جودة متدرجة وتغطية شاملة للسلسلة وأهداف صريحة لتعزيز ثقة المستثمرين — يقدم إطاراً قابلاً للتطبيق في دول الخليج الأخرى الساعية إلى رفع جودة إنتاجها الغذائي المحلي دون الاتكاء الكلي على الدعم أو الحواجز التجارية.
دفعت أجندة الأمن الغذائي السعودية في إطار رؤية 2030 إلى استثمارات ضخمة في إنتاج الدواجن المحلي، إذ تحتضن المملكة بعضاً من أكبر شركات الدواجن المتكاملة في المنطقة، كالمراعي وشركة تنميه للأغذية. بيد أن بنية التمايز في الجودة والاعتماد الاستهلاكي لا تزال متأخرة قياساً بحجم السوق. يُلمح نموذج أبوظبي إلى أن الاعتماد المتميز الرسمي — لا سيما في فئات البروتين المبرد الطازج حيث يصعب على المستهلك تقييم الجودة بمفرده — يمكن أن يُؤدي وظيفة مزدوجة بوصفه أداةً لحماية المستهلك وتعزيز تنافسية الصناعة.
تحمل المبادرة أيضاً دلالات تصديرية مباشرة. صرّح مجلس ADQCC صراحةً بأن علامة الغذاء المميّز ستُشكّل منصةً للمنتجين المحليين للوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية، مستخدمين مصداقية الاعتماد الأبوظبي جوازَ سفرٍ تجارياً. فإن حققت الشهادة انتشاراً واسعاً بين المنتجين الإماراتيين، فقد تمنح منتجات الدجاج الإماراتي المعتمدة ميزةً تفاضلية في أسواق التصدير الخليجية، حيث تحظى المنشأة الراقية بتقدير متزايد من المشترين المؤسسيين ومجموعات الفنادق وقطاع المشتريات الطبية.
رأي المحرر
تُمثّل علامة الغذاء المميّز تدخلاً سياسياً ناضجاً يعمل بالتوازي مع حوافز السوق لا ضدها. فبتحويل معايير الجودة إلى أصل تجاري بدلاً من فرضها تكلفةً تنظيمية، أوجدت أبوظبي آليةً تُوفّق بين استثمار المنتجين وتفضيلات المستهلكين وأهداف الحكومة في الأمن الغذائي في آنٍ واحد. والطابع الطوعي للمخطط يُقلص احتكاك التبني، مع الحفاظ على قيمة العلامة الإشارية كمؤشر تميّز.
أما السؤال الأصعب، فهو ما إذا كان اعتماد السوق كافياً لتوليد الزخم اللازم لتحريك الإبرة الهيكلية نحو تقليص الاعتماد على الاستيراد. مع تغطية الإنتاج المحلي لـ15% فحسب من الاستهلاك، لن يُغلق أيُّ مخطط اعتماد الفجوة بمفرده. غير أن هذه العلامة — باعتبارها جزءاً من استراتيجية أشمل للاستثمار في البنية التحتية والدعم وتبني التقنيات، يسعى إليها الإمارات على أصعدة متوازية — تُعالج العنصر الوحيد الذي لا تستطيع الطاقة الإنتاجية وحدها تحقيقه: استعداد المستهلكين والمشترين المؤسسيين لدفع علاوة سعرية على المنتج المحلي. وذلك بالضبط هو المفتاح الذي يحتاجه الطلب في هذا القطاع.

