أول تقدير عالمي لتكلفة تدهور التربة

توصّل باحثون من جامعة بون، وجامعة مينسوتا، وجامعة بازل، وجامعة هامبورغ التقنية إلى أول تقدير عالمي لأثر تدهور التربة على المحاصيل الزراعية، ونُشرت النتائج في مجلة Nature Food. قسّم الفريق الأراضي الزراعية حول العالم إلى أكثر من 400 ألف قطعة، كل واحدة بمساحة 10×10 كيلومترات تقريبًا، وتحمل بيانات محاصيل عشرة محاصيل أساسية — منها القمح والأرز والكسافا وزيت النخيل — توفر معًا نحو 83% من السعرات الحرارية التي يزرعها العالم.

بمقارنة قطع الأرض المتشابهة في هطول الأمطار ودرجات الحرارة، وضبط الفروقات في استخدام الأسمدة والري والمعدات، وحتى ملكية الأرض والوصول إلى الأسواق، تمكّن الباحثون من عزل الفارق في المحاصيل الناتج عن حالة التربة وحدها. والنتيجة الأساسية: كل 10% زيادة في التدهور ترتبط بانخفاض في المحاصيل بنسبة 2% في المتوسط. وإذا عولجت هذه النسبة عالميًا، فإن ذلك يعني غذاءً إضافيًا يكفي لتغذية أكثر من 70 مليون شخص سنويًا.

أبرز النقاط

  • أول قياس عالمي يربط تدهور التربة مباشرة بفقدان المحاصيل، بالاستناد إلى أكثر من 400 ألف قطعة أرض وعشرة محاصيل أساسية.
  • كل 10% زيادة في التدهور ترتبط بانخفاض 2% في المحاصيل في المتوسط؛ وإصلاح 10% عالميًا قد يغذي أكثر من 70 مليون شخص إضافي سنويًا.
  • انضغاط التربة بفعل المعدات الثقيلة والتعرية هما أقوى العوامل المسببة، يليهما تراجع الغطاء الشجري وجفاف التربة.
  • تتركز الخسائر في أكثر المناطق الزراعية كثافةً — شمال وجنوب الهند، وشمال شرق الصين، والحزام الزراعي الأمريكي، وشمال الأرجنتين — وبعضها يورّد الحبوب لأسواق تعتمد على الاستيراد، منها دول الخليج.
  • يقدّر الباحثون الأثر العالمي بنحو 22 مليون طن من المحاصيل، و52 تريليون سعرة حرارية، و4 مليارات دولار من دخل المزارعين سنويًا.

لماذا تتأثر أخصب أراضي العالم أكثر من غيرها؟

أكثر ما يخالف التوقعات في هذه الدراسة هو مكان تركّز الضرر. كان المتوقع أن تظهر المناطق الأفقر الخسائر الأكبر، لكن البيانات تشير إلى غير ذلك: تتركز أقوى الآثار المحلية في شمال وجنوب الهند، وشمال شرق الصين، والحزام الزراعي الأمريكي، وشمال الأرجنتين — من بين أكثر مناطق العالم كثافة في الزراعة. وفي القطع الأكثر تأثرًا، ترفع كل 10% من التدهور الفارق في المحاصيل بنحو 6%، أي ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي.

يفسّر الباحثون ذلك بأن عقودًا من استخدام الأسمدة والري والأصناف المحسّنة قد أزالت معظم القيود الأخرى على المحاصيل في هذه المناطق، تاركةً جودة التربة كالعامل المحدد المتبقي. فإذا تراجعت، لا يبقى ما يدعم الإنتاج. وأكدت دراسة موازية لنقص المدخلات هذا النمط نفسه: خفض الوصول إلى الأسمدة والمعدات أضرّ بأعلى المناطق إنتاجية في العالم، وليس بأكثرها هشاشة.

22M طن
محاصيل تُفقد سنويًا مقابل 10% تدهور إضافي
6%
الفارق في المحاصيل بأكثر المناطق تأثرًا
10
محاصيل أساسية توفر 83% من السعرات العالمية
52T
سعرة حرارية تُفقد عالميًا كل سنة

«لأول مرة، حاولنا قياس نتائج التدهور على كل الأراضي الزراعية حول العالم.»

HH
د. هادي هادي
باحث ما بعد الدكتوراه، مجموعة اقتصاديات الأرض، جامعة بون

أفريقيا جنوب الصحراء: قصة مختلفة

لا ينطبق هذا النمط على كل المناطق. لا تزال الفوارق في المحاصيل كبيرة في أفريقيا جنوب الصحراء، لكن الدراسة تجد أنها لا ترتبط بشكل واضح بتدهور التربة التاريخي. القيود الأساسية هناك أبسط: الوصول إلى الأسمدة والري والتمويل والأسواق الفعّالة. ويقرأ الباحثون ذلك كإشارة إلى أين يجب توجيه استثمارات الإصلاح — فالاستثمار في التربة يعطي أعلى مردود في المناطق المنتجة والغنية بالمدخلات أصلًا، بينما لا يزال إغلاق فجوات المدخلات الأساسية أهم في معظم أفريقيا.


لماذا يهم هذا السعودية والخليج؟

لا تزرع السعودية ودول الخليج إلا جزءًا محدودًا من حبوبها، وتعتمد بشكل كبير على استيراد القمح والذرة وغيرها من السلع الأساسية — من مناطق هي بالضبط تلك التي صنّفتها الدراسة كأكثر عرضة، ومنها الولايات المتحدة والأرجنتين وجنوب وشرق آسيا. تراجع المحاصيل في هذه الأسواق الموردة لا يظهر في موانئ الخليج كحدث واحد صادم، بل يظهر تدريجيًا: عرض عالمي أكثر تشددًا، وأسعار أكثر تماسكًا، تُضاف إلى نظام غذائي حساس أصلًا لصدمات الطقس واضطرابات الشحن.

هذا يجعل من نتائج الدراسة إشارة تتعلق بالأمن الغذائي، لا مجرد شأن زراعي بحت. فهي تعزز منطق رؤية 2030 في تنويع مصادر الاستيراد، وتوسيع المخزون الاستراتيجي من الحبوب، وتنمية القدرة الإنتاجية المحلية في الزراعة المحمية والدقيقة — مجالات شهدت فيها الاستثمارات السعودية في التقنيات الزراعية نشاطًا فعليًا. كما تعزز أهمية استمرار الاستثمار الحكومي والسيادي في الأراضي الزراعية الخارجية واتفاقيات توريد الغذاء، حيث تصبح صحة التربة ومرونة المحاصيل أسئلة فحص جوهرية لا تفاصيل ثانوية.

ما الذي يمكن أن يعكس هذا التدهور فعليًا؟

يشير الباحثون إلى أن تدهور التربة ليس مسارًا حتميًا في اتجاه واحد. فقد وجدت أبحاث أخرى لمجموعة جامعة بون نفسها أن الأنظمة الزراعية وبرامج الحوافز البيئية — وهي مدفوعات مالية للمزارعين لتبنّي ممارسات تحافظ على التربة — قد أدت فعليًا إلى إبطاء التدهور أو عكسه في بعض المناطق. وكان انضغاط التربة بفعل المعدات الثقيلة والتعرية أقوى مؤشرات التدهور في هذه الدراسة، متقدمين على تراجع الغطاء الشجري وجفاف التربة، ما يوحي بأن ممارسات استخدام المعدات وإدارة الغطاء النباتي من بين الأدوات الأكثر قابلية للتطبيق أمام صناع السياسات وكبرى الشركات الزراعية.

رأي المحرر

أهم ما في هذه الدراسة ليس الرقم الأساسي فقط، بل تأكيدها أن صحة التربة أصبحت قيدًا فعليًا على أخصب أراضي العالم — تلك التي يعتمد عليها الأمن الغذائي العالمي أكثر من غيرها. وبالنسبة لتخطيط الأمن الغذائي في الخليج، الدلالة العملية واضحة: مرونة الغذاء في السعودية لا ترتبط فقط بما يحدث محليًا، بل بحالة التربة في دول موردة تبعد آلاف الكيلومترات. وهذا يدعم فكرة التعامل مع صحة التربة كمتغيّر يستحق التتبّع، جنبًا إلى جنب مع الطقس وتكاليف الشحن، في إدارة المملكة لمخاطر الاستيراد.